«البيت الذى لم يبن بعد».. بين الخيمة والمنزل الموعود.. غزة تعيش على حافة الانتظار.. وطن مؤجل وحياة تتآكل تحت الركام بين صمت المدافع وضجيج المعاناة الإنسانية.. أزمة إيواء بلا أفق واضح ومليون ونصف إنسان بلا مأوى

الأربعاء، 04 فبراير 2026 06:15 م
«البيت الذى لم يبن بعد».. بين الخيمة والمنزل الموعود.. غزة تعيش على حافة الانتظار.. وطن مؤجل وحياة تتآكل تحت الركام بين صمت المدافع وضجيج المعاناة الإنسانية.. أزمة إيواء بلا أفق واضح ومليون ونصف إنسان بلا مأوى غزة

كتب رامي محيى الدين – أحمد عرفة - جرافيك أحمد جمال مرسي


<< يافا أبو عكر: نعيش في بيوت لا تصلح للحياة وكرامة تسحق بصمت
<< وجوه شاخت وأطفال كبروا قبل أوانهم
<< رئيس بلدية جباليا: إمكاناتنا لا تتناسب مع حجم الكارثة
<< شمال غزة داخل الخط الأصفر.. جغرافيا تبتلع وحياة تحاصر
<< ريتشارد جير : أحياء كاملة في غزة تحولت إلى أنقاض وأطفال يكبرون وسط الخوف
<< مخلفات الحرب.. قنابل صامتة تهدد ما تبقى من البيوت
<< الإعلامية لميس الأقرع : بيتي دمر كليا وفقدنا شغف الحياة
<< انهيارات ما بعد الهدنة والموت يخرج من الجدران المتصدعة
<< سارة بهار: حي الشجاعية اختفى من الخريطة
<< الدفاع المدني في سباق مع الزمن وسط إمكانات محدودة
<< أزمة في مواد البناء..  إسمنت مفقود وخطر كامن تحت الأنقاض

 

 

في غزة، لم تنته الحرب حين سكتت المدافع، الهدوء الذي تلاها لم يكن سلاما، بل نوعا جديدا من الانتظار، والناس عادوا، لكن البيوت لم تعد، وعلى أطراف الركام، في خيام مؤقتة أو بيوت بلا نوافذ، يعيش الغزيون على وعد مؤجل اسمه "الإعمار"، لكن بين الحلم والحقيقة، يمر العمر، ويصبح البيت الذي لم يبن بعد رمزا لوطن لم يكتمل بعد، في غزة الآن، يعيش الناس بين الخيمة والبيت الموعود، بين الأمل الذي لا يبنى واليأس الذي لا يهدم، صار الانتظار عنوانا جديدا للسكن، وصار الصبر مادة البناء الوحيدة المتاحة، البيت الذي لم يبن بعد لا يعني فقط بيتا مفقودا، بل حياة مؤجلة في وطن مؤجل، ورغم كل شيء، يظل سكان القطاع يضعون الطوب في خيالهم قبل أن تلمسه أيديهم، لأنهم يعرفون أن البيت يبدأ من الإصرار، لا من الإسمنت.

لم يعد البيت في غزة عنوانا للأمان، بل صار ذكرى معلقة بين الركام، وصورة في ذاكرة أصحابها الذين فقدوا كل شيء إلا الانتظار، هنا، لا يطلب الناس أكثر من بيت جديد، جدران تحميهم من البرد، وسقف لا ينهار فوق أحلامهم الصغيرة، ومساحة تحفظ ما تبقى من كرامتهم، فالوجوه شاخت قبل أوانها، والأطفال فقدوا طفولتهم بين الخيام والبيوت المهدمة، والقلوب أنهكها انتظار طويل لا يحمل وعودا واضحة. في غزة، الزمن لا يمضي، بل يتثاقل فوق الصدور.

في غزة، لا يقاس الدمار بعدد البيوت المهدمة فقط، بل بما خلفه من فراغ في أرواح أصحابها، ففقدان البيت يعني فقدان الأمان والخصوصية والقدرة على الاحتماء من قسوة الحياة، بينما يظل حلم البيت الجديد هو الأمل الوحيد المتبقي لكثير من العائلات.

وتقول الصحفية الفلسطينية يافا أبو عكر: "بعيدا عن القصف نحن لا نعيش، نعد الأيام بلا معنى، ونقاتل لنؤمن أبسط شيء، أكل، ماء، ودفء"، موضحة أن الحياة اليومية في غزة تحولت إلى صراع مفتوح من أجل البقاء، في ظل غياب أدنى مقومات الاستقرار.

وتضيف "أبو عكر": الوجوه شاخت، الأطفال فقدوا طفولتهم، والقلوب أنهكها الانتظار"، مؤكدة أن آثار الحرب لم تقتصر على الدمار المادي، بل امتدت لتطاول الإنسان نفسيا واجتماعيا، خاصة الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم.

وتتابع قائلة: "لا صوت صواريخ الآن، لكن الحرب في تفاصيلنا"، في إشارة إلى أن المعاناة لا تتوقف مع هدوء القصف، بل تستمر في الحياة اليومية داخل بيوت مدمّرة أو غير صالحة للسكن.

وتختتم تصريحاتها بالقول: "نعيش في بيوت لا تصلح للحياة، وفي كرامة تسحق كل يوم بصمت، وفي قلوب تعبت من الصبر، لله غزة ومن فيها"، في تعبير صادق عن حجم الإرهاق الإنساني الذي يعيشه الغزيون وهم يتشبثون بحلم بسيط، بيت جديد يعيد لهم شيئا من الأمان والحياة.

60% من نفوذ البلديات في شمال القطاع داخل الخط الأصفر

وأكد رئيس بلدية جباليا النزلة شمال غزة مازن النجار، خلال بيان للبلدية في 28 ديسمبر، أن نحو 60% من نفوذ البلديات في شمال القطاع داخل الخط الأصفر، متابعا :"استطعنا إنشاء مخيمات صغيرة لتشجيع المواطنين للعودة".

وأضاف أن شمال القطاع مدمر والبنية التحتية مدمرة بالكامل، والمنازل الموجودة في البلدية آيلة للسقوط ومنها من سقطت فوق ساكنيها، متسطردا :"عملنا على تشغيل نحو 400 غاطس ونقدم كمية بسيطة من الوقود لتوصيل المياه وافتتحنا بعض الشوارع لكن العمل لا يتناسب مع حجم الكارثة".

في غزة، لم يعد البيت مجرد مكان للسكن، بل حلما مؤجلا يتشبث به الناس وسط اتساع الخطر وضيق المساحة، فمع كل يوم يمر، تتقلص الجغرافيا، وتتآكل الذكريات، ويزداد الحنين إلى بيت كان يوما ملاذا آمنا.

 

وأعلنت منظمة الأمم المتحدة في 18 يناير، أن عملية إعادة إعمار غزة ستتطلب الكثير من الوقت والتمويل في ظل حجم الدمار الواسع بالقطاع، مشيرة إلى أن كمية المساعدات التي تدخل غير كافية لمواجهة الاحتياجات الإنسانية الضخمة.

حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية
حجم الدمار في بلديات غزة بسبب الحرب.. وحدة القياس نسبة مئوية

 

أحياء بأكملها تحولت إلى أنقاض

وعلق أيقونة السينما الأمريكية ريتشارد جير، في 25 ديسمبر، على حجم الدمار في غزة قائلا إن ما يجري في القطاع أمر مفجع، وهناك أحياء بأكملها تحولت إلى أنقاض، وعائلات تمزقت، وأطفال يكبرون محاطين بالخوف والعنف بدلا من الحب والأمل.

ودعا ريتشارد جير إلى ضمان استمرار وقف إطلاق النار ودعم وكالة الأونروا التي تعمل وسط الخراب لإبقاء الأمل حيّا في قلوب الناس.

 

بيتي يقع داخل الخط الأصفر والحنين للبيت جزء من معانتنا

وهنا تقول الإعلامية الفلسطينية لميس الأقرع في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" :" بيتي تعرض لتدمير كلي، وهو يقع ضمن ما يسمى بالخط الأصفر الذي يسيطر عليه الاحتلال في غزة، ونحن فقدنا شغف الحياة هنا"، مشيرة إلى أن فقدان البيت لم يكن خسارة مادية فحسب، بل ضربة قاسية للاستقرار النفسي والمعنوي.

وتضيف: "أشتاق لذكريات البيت، وأتمنى أن يعود كما كان، لكن الوضع في غزة لا أحد يستطيع تحمله"، مؤكدة أن الحنين إلى البيت بات جزءا من معاناة يومية يعيشها آلاف الغزيين الذين حرموا من أبسط حقوقهم.

وتوضح الأقرع أن إعادة الإعمار باتت حلما مستحيلا في ظل القيود المفروضة، قائلة: لا يوجد أي شيء من مواد البناء لإعادة بناء البيوت، خاصة أن محافظة الشمال محظورة ضمن الخط الأصفر، ولا يسمح بدخولها"، لافتة إلى أن الاحتلال يمنع بشكل كامل إدخال مواد البناء، ما يفاقم أزمة السكن ويطيل أمد التشريد.

وتحذر الأقرع من التوسع المستمر للمناطق المحظورة، موضحة: "الخط الأصفر يتوسع يوميا على يد الاحتلال، وقبل يومين في مخيم جباليا، تقدمت القوات لمسافة 500 متر، وتم نقل الحدود، ما ضيّق المساحة المسموح للمواطنين الدخول إليها".

وتشير إلى أن الانتهاكات لا تتوقف، مضيفة: "الخرق الإسرائيلي مستمر في ظل صمت العالم، وقبل أيام في مخيم المغازي بمحافظة الوسطى، تمّت محاصرتنا من قبل طائرات الكواد كابتر، وبقينا نحو أربع ساعات غير قادرين على الحركة أو الخروج من البيوت، لكون المنطقة قريبة من الخط الأصفر".

خروقات إسرائيل ضد غزة منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار
خروقات إسرائيل ضد غزة منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار

 

وبين بيت دمر وحلم مؤجل، يتمسك أهل غزة بأمل واحد، أن يأتي يوم يعود فيه البيت بيتا، وتعود الحياة أكثر رحمة، بعيدا عن خطوط الخطر وحدود القهر.

مخلفات الحروب قنابل صامتة تهدد سكان غزة وتحول المنازل لأنقاض

تمثل مخلفات الحروب أحد أخطر التحديات التي تواجه سكان غزة، لما تخلفه من آثار مدمرة تتجاوز لحظة القصف إلى سنوات طويلة لاحقة، حيث تتحول بقايا الصواريخ والقذائف والذخائر غير المنفجرة إلى قنابل موقوتة تهدد الأرواح والمنازل على حد سواء، فهذه المخلفات لا تقتصر خطورتها على الإصابات المباشرة، بل تمتد لتقويض أسس الحياة الآمنة داخل الأحياء السكنية، وتسهم بشكل مباشر في دمار المنازل وتفاقم الأزمة الإنسانية.

وتنتشر مخلفات الحروب في غزة بين أنقاض البيوت المدمرة، وفي الشوارع، وداخل الأراضي الزراعية، بل وأحيانا في محيط المدارس والمستشفيات، ما يجعلها خطرا دائمًا على المدنيين، خاصة الأطفال الذين قد ينجذبون إلى الأجسام الغريبة دون إدراك لمدى خطورتها. وقد تسببت هذه المخلفات في العديد من الانفجارات العرضية داخل المنازل أو أثناء محاولات إزالة الركام، ما أدى إلى انهيارات جزئية أو كلية للمباني المتضررة أصلا بفعل القصف.

كما أن الذخائر غير المنفجرة تؤثر سلبا على سلامة البنية التحتية، إذ تعيق عمليات إعادة الإعمار، وتمنع السكان من ترميم منازلهم أو العودة إليها خوفا من الانفجار في أي لحظة، وفي كثير من الحالات، تترك المنازل المتضررة دون إصلاح، لأن وجود مخلفات حربية داخلها أو أسفلها يجعلها غير صالحة للسكن، ما يدفع العائلات للنزوح القسري أو العيش في ظروف بالغة القسوة.

ولا تتوقف الأضرار عند هذا الحد، فالمواد المتفجرة والمعادن الثقيلة المتسربة من مخلفات الحروب تسهم في تلوث التربة والمياه، ما يضعف أساسات المباني مع مرور الوقت، ويزيد من احتمالية تصدع المنازل وانهيارها، خاصة في ظل غياب الإمكانيات الفنية اللازمة لمعالجة هذه الأخطار، وهكذا تتحول مخلفات الحروب إلى عامل صامت لكنه شديد الفتك، يواصل تدمير ما تبقى من بيوت غزة، ويعمق معاناة سكانها، في ظل واقع إنساني يفتقر لأدنى مقومات الأمان.

جهود الدفاع المدني بغزة

وفي 18 ديسمبر، أكد الدفاع المدني بغزة، وقوع ثلاث حوادث في مناطق عدة بالقطاع ناتجة عن انفجارات من مخلفات الاحتلال الإسرائيلي، أحدها أدى إلى استشهاد طفل، ونشوب حرائق وأضرار مادية في المنازل والأماكن التي انفجرت فيها، محملا المنظمات الدولية العاملة وتل أبيب والمركز التنسيقي الأمريكي المسئولية الكاملة عن حياة السكان الذين يفقدون أرواحهم نتيجة انفجار المخلفات.

وأشار إلى أن الجهة المختصة في الدفاع المدني عقدت لقاءات عديدة مع ممثلي هذه المؤسسات الدولية للعمل ضمن خطة منهجية مشتركة تكافح هذه المخلفات للحد من الحوادث؛ لكن للأسف الشديد نواجه تسويفات وتأجيلا غير مبررا، وتردد في عمليات التواصل مع مركز "التنسيق الأمريكي" والجهات الأخرى المنوطة بالمشاركة في معالجة هذا الخطر، رغم المناقشات العديدة التي أجريناها معهم فلم نر لها الأثر أو النتائج حتى الآن.

وأوضح أن ترك سكان غزة يموتون بين مخلفات الذخائر غير المنفجرة، وعدم التحرك الجدي من قبل هذه المؤسسات لاسيما اللجنة الدولية للصليب الأحمر  ومكتب دائرة الأمم المتحدة للمخلفات الذخائر يضع علامات استفهام أمام دورهم في هذا الصدد، ويعد مخالفة واضحة لما تدعو إليه اتفاقيات جنيف وملحقاتها والقوانين الدولية.

من جانبه كشف المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، عن واقعة انهيار بيت بالكامل بعد اتفاق وقف إطلاق النار، مشيرا إلى أن انهيار منزل يعود لعائلة نصار في حي الشيخ رضوان، مكون من أربعة طوابق، وهناك عدد من المواطنين داخل المبنى لحظة الانهيار، ولا تعرف حالتهم أو مصيرهم حتى هذه اللحظة.

وأضاف أن طواقم الدفاع المدني تمكنت من انتشال جثتي شخصين من تحت أنقاض منزل يعود لعائلة لبد، وذلك عقب انهيار المنزل على سكانه في منطقة الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، ولا يزال شخصان مفقودين تحت الأنقاض، فيما تواصل الطواقم العمل المتواصل لانتشالهما.

وكشف محمود بصل، تأثير المنخفضات الجوية الأخيرة على منازل القطاع التي لا زالت قائمة، مشيرا إلى أن آلاف العائلات باتت مهددة في كل لحظة، إلى جانب منازل آيلة للسقوط تزداد خطورتها مع الأمطار والرياح، وغزة تتجه نحو كارثة إنسانية أكبر ما لم يكن هناك تدخل عاجل وحقيقي الآن.

وأوضح أن آلاف الخيام تضررت وتطايرت خصوصاً على شاطئ البحر حيث اضطر المواطنون للنزوح لعدم وجود أي مساحات آمنة داخل المدن، مشيرا إلى أن ما يجري ليس أزمة طقس، بل نتيجة مباشرة لمنع الاحتلال إدخال مواد البناء وتعطيل إعادة الإعمار حيث يعيش الناس في خيام ممزقة وبيوت متصدعة دون أمان أو كرامة، فيما تعمل طواقم الدفاع المدني بإمكانات شبه معدومة، وهذا الواقع لا يلبي أدنى المعايير الإنسانية ويشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي.

القانون الدولى وإتاحة التدخلات الإغاثية

يشمل القانون الدولي الإنساني المبادئ والقواعد التي تنظم وسائل وأساليب الحرب والسلم، فضلا عن توفير الحماية الإنسانية للسكان المدنيين، حيث تشمل الأدوات القانونية الرئيسة في هذا المجال اتفاقيات جنيف لعام 1949 الخاصة بحماية ضحايا الحرب، إلى جانب ثلاثة بروتوكولات إضافية (الأول والثاني والثالث) اعتمدت عامي 1977 و2005 تحت رعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

اتفاقية جنيف لحماية المدنيين
اتفاقية جنيف لحماية المدنيين


وتنص المــادة الـ 63، أنه مع مراعاة التدابير المؤقتة والاستثنائية التي تفرضها الاعتبارات القهرية لأمن دولة الاحتلال، يجوز للجمعيات الوطنية للصليب الأحمر "والهلال الأحمر والشمس والأسد الأحمرين" المعترف بها، أن تباشر الأنشطة التي تتفق مع مبادئ الصليب الأحمر التي حددتها المؤتمرات الدولية للصليب الأحمر، ويجب تمكين جمعيات الإغاثة الأخرى من مباشرة أنشطتها الإنسانية في ظروف مماثلة، ولا يجوز لدولة الاحتلال أن تقتضي إجراء أي تغيير في موظفي أو تكوين هذه الجمعيات مما قد يضر بالجهود المذكورة أعلاه، وتطبق المبادئ ذاتها على نشاط وموظفي الهيئات الخاصة التي ليس لها طابع عسكري، القائمة من قبل أو التي قد تنشأ لتأمين وسائل المعيشة للسكان المدنيين من خلال دعم خدمات المنفعة العامة الأساسية، وتوزيع موارد الإغاثة، وتنظيم عمليات الإنقاذ.

المادة 63 من القانون الدولي
المادة 63 من القانون الدولي

 

انهيارات مباني

كما أعلن الدفاع المدني الفلسطيني في 20 ديسمبر، نجاح طواقمه في إخلاء سكان برج العودة 6 المكون من 7 طوابق شرقي مستشفى القدس في منطقة تل الهوا جنوب غربي مدينة غزة بعد حدوث تصدعات وانهيارات في الطوابق الأربعة الأخيرة دون إصابات.
وبعد تلك الواقعة بـ24 ساعة، ناشد الدفاع المدني بغزة، الأهالي الذين عادوا للسكن داخل المباني والمنازل التي استهدفها الاحتلال سابقا، وصنفت بأنها خطرة غير صالحة للسكن بوجوب إخلائها، والانتقال للسكن في أماكن آمنة، حفظا لحياتهم، معلنة وفاة 18 شخصا في القطاع بسبب انهيار 22 منزلا منذ مطلع شهر ديسمبر.
وأعرب عن أسفه الشديد تجاه بعض سكان هذه المنازل، التي تعرضت مؤخرا لانهيارات ونتج عنها وفيات ومفقودين، عدم التزامها بتحذيرات وجهتها لهم اللجنة المختصة لدينا التي تضم مهندسين وخبراء، وطالبتهم بضرورة اخلاء منازلهم لخطورة السكن فيها، مؤكدا مجددا للأهالي في كافة مناطق القطاع الذين يسكنون المنازل الآيلة للسقوط بوجوب إخلائها إلى مساكن آمنة، لاسيما في بداية فصل الشتاء.

 

حي الشجاعية اختفى من المنطقة

لم يتضرر حي الشجاعية فقط، بل اختفت المنطقة بأكملها عن الخريطة، كأنها لم تكن يوما موجودة، والبيوت سويت بالأرض، والشوارع محيت، ولم يبق سوى الفراغ، ورغم ذلك، ما زلنا نحلم بالعودة، حتى لو كانت عودة إلى خيمة، فالمهم أن نكون على أرضنا.

تقول سارة بهار، من سكان حي الشجاعية: " الحي لم يتضرر فقط، بل اختفت المنطقة كلها، ولم يعد لها أي وجود، ومع ذلك لا يزال حلم العودة يراودنا، حتى لو عشنا في خيام، فالأهم أن نعود إلى أرضنا".

وتوضح في تصريحات لـ"اليوم السابع"، أن الحي بات يقع ضمن المناطق المحظورة، قائلة: "المنطقة تقع ضمن ما يعرف بالخط الأصفر، وهذا الخط يتوسع يوما بعد يوم"، في إشارة إلى التمدد المستمر الذي يضيّق الخناق على السكان ويهدد ما تبقى من أراضيهم.

وتضيف بقلق بالغ: "قد نصحو في يوم ما لنجد أن هذا الخط الأصفر قد ابتلعنا ودفعنا نحو البحر"، في توصيف يعكس حجم الخوف من اقتلاع كامل لا يترك مجالا للعودة.

وعن حلمها الشخصي، تقول سارة: "أحلم بالعودة إلى الشجاعية، وأدرك جيدا أن هذا الحلم قد لا يتحقق، بل قد يبدو مستحيلا، وأنا واعية لهذه الحقيقة، لكنها تستدرك بمرارة صادقة: "غير أن قلبي لا يستطيع أن يقتنع بذلك".

وتختتم حديثها بالتأكيد على أن الشجاعية ليست مجرد مكان للسكن: " مهما حاولت التكيف مع الواقع، تبقى الشجاعية أكثر من مجرد مكان، إنها ذكرياتي وروحي وجزء مني، ومهما ابتعدت عنها، ستظل ساكنة في داخلي، قد يستسلم العقل، لكن القلب لا يزال متمسكا بالحلم، رافضا أن يودع هذا المكان"، ويظل بين واقع قاس وحلم عصي على الانطفاء، اسم الشجاعية حيا في قلوب أبنائها، مهما غابت عن الخريطة.

عجز عن مواجهة أزمة النازحين
 

وأكدت وكالة الأونروا، خلال بيان في 24 ديسمبر، أن الأوضاع لا تزال مزرية والاحتياجات الإنسانية هائلة في ‌غزة،، وتواصل العائلات مواجهة معاناة شديدة نتيجة النقص الحاد في الغذاء والدمار واسع النطاق.

فيما أكد علاء الدين البطة رئيس بلدية خان يونس، أن مئات الخيام تطايرت بسبب الرياح العاتية المرافقة للمنخفض الجوي، مضيفا خلال بيان للبلدية في 28 ديسمبر، أنها تعجز عن مواجهة الأزمة التي يعانيها النازحون بسبب نقص الإمدادات.

وفي غزة، لم يعد خطر الموت مرتبطا فقط بالقصف، بل صار يطل علينا من جدران متصدعة وأسقف مهددة بالانهيار في أي لحظة، فخلال الأيام الماضية انهار منزل المواطن أبو سعود لبد في حي الشيخ رضوان، في الشارع الثاني، بينما كانت داخله ثلاث عائلات تقيم بين جدران لم تعد تحتمل الوقوف.

ويحكي يحيى يعقوبي تفاصيل الواقعة: " منزل أبو سعود لبد انهار بشكل مفاجئ في حي الشيخ رضوان، وكان بداخله ثلاث عائلات، ولا تزال أصوات الصراخ تسمع من تحت أنقاض المنزل، في مشهد يعكس حجم الخطر اليومي الذي يعيشه سكان القطاع، مضيفا أن طواقم الخدمات الطبية وفرق الإنقاذ تعمل في المكان، في سباق مع الزمن للوصول إلى العالقين تحت الركام، وسط إمكانات محدودة وظروف بالغة الصعوبة.

ويشير إلى أن هذه الحادثة ليست استثناء، مؤكدا: "يوميا تنهار المنازل في غزة نتيجة التصدعات والأضرار المتراكمة، وقد قيم المهندسون حاليا وجود نحو 500 بيت في وضع غير مستقر، ما يهدد حياة ساكنيها في أي لحظة".

وتبقى هذه الانهيارات الصامتة شاهدًا آخر على حجم الكارثة الإنسانية في غزة، حيث يتحول البيت من ملاذ آمن إلى خطر دائم، في ظل غياب الحلول واستمرار المعاناة.

وأكد مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، في 3 يناير، أن ما يقدر بنحو مليون شخص، أو نصف عدد سكان غزة، ما زالوا بحاجة ماسة إلى مساعدة في الإيواء، موضحا أن الحاجة للمساعدة في توفير المأوى لا تزال مستمرة، على الرغم من قيام العاملين في المجال الإنساني بتوزيع آلاف الخيام ومئات الآلاف من القماش المشمع وغيرها من المواد في جميع أنحاء القطاع منذ وقف إطلاق النار.

أزمة مواد البناء في غزة

في غزة، لا تبدأ معاناة الحرب عند سقوط القذيفة، ولا تنتهي مع توقف القصف، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو بسيطة في أي مكان آخر، لكنها هنا تتحول إلى حلم بعيد المنال، فبين الركام المتناثر وبقايا البيوت المهدمة، يقف السكان أمام معضلة صامتة تثقل كاهلهم، أزمة مواد البناء، لم يعد الإسمنت مجرد مادة، ولا الحديد مجرد أعمدة تحمل الجدران، بل صارت هذه العناصر رمزا لبيت مفقود وأمان غائب، وحكاية لم تكتمل.

تحت الأنقاض، تختلط بقايا المنازل بمواد مجهولة المصدر، لا يعرف الناس إن كانت صالحة للاستخدام أو تحمل في طياتها خطرا خفيا من مخلفات الحرب، وفي ظل شح المعلومات وغياب الإرشاد، يجد الأهالي أنفسهم مضطرين للاختيار بين الترميم بما هو متاح، أو البقاء بلا مأوى، كل حجر يرفع من بين الركام يحمل سؤالا معلقا "هل يصلح لإعادة بناء بيت، أم أنه قد يكون سببا في كارثة جديدة؟".

هكذا تتحول أزمة مواد البناء في غزة من مشكلة لوجستية إلى مأساة إنسانية، حيث لا يفتقد السكان المواد فحسب، بل يفتقدون المعرفة التي تحميهم، فيعيشون بين خوف الانهيار وأمل العودة إلى جدران تشبه كلمة "وطن".

تقرير الإحصاء الفلسطيني عن مواد البناء
تقرير الإحصاء الفلسطيني عن مواد البناء

 

وخلال تقرير للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، صدر في نوفمبر الماضي، أكد أن بيانات غزة حول الرقم القياسي لتكاليف البناء والطرق وتكاليف شبكات المياه والصرف الصحي غير متوفرة، ويعود الاختلاف في نسب التغير لتكاليف المجموعات الرئيسية في كل من الرقم القياسي لإنشاء المباني، أو الطرق، أو شبكات المياه، أو شبكات الصرف الصحي إلى الاختلاف في تكوين تلك المجموعات.

تقرير حول عدم توافر تكاليف البناء في غزة
تقرير حول عدم توافر تكاليف البناء في غزة

 

مناشدة أممية بإدخال الخشب الرقائقي والأسمنت لغزة

وقال المتحدث مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" ينس ليركه، إن القطاع بحاجة لإدخال المواد الحيوية دون أي قيود، وسط استمرار العراقيل الإسرائيلية أمام المساعدات الإنسانية رغم بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.
وأضاف في بيان للمنظمة، أن إعلان بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة يعد خطوة مهمة من منظور الأمم المتحدة، وأي مبادرة تسهم في تخفيف معاناة المدنيين، ودعم إعادة الإعمار، وإيجاد أفق سياسي موثوق تعتبر إيجابية، مشيرا إلى أن العوائق التي تحول دون إدخال مزيد من المساعدات الإنسانية ما زالت قائمة، وإزالتها أمر بالغ الأهمية.
وتابع :"نحن بحاجة إلى إدخال المواد الحيوية إلى غزة دون قيود، بما في ذلك الأخشاب والخشب الرقائقي والأسمنت وأدوات العمل اللازمة لتعزيز الملاجئ وإصلاح منازل السكان، بجانب معدات لإزالة الأنقاض وتفتيت الركام، ومضخات مياه لتصريف مياه الأمطار ومنع الفيضانات، وأكياس الرمل".

فلسطينية تحت الركام وطفل يتلمس الحياة بعين لا تبصر الألم داخل غزة
 

في زاوية خيمة مهترئة نصبت على عجل فوق ركام منزلها في أحد أحياء غزة المدمرة، تجلس السيدة أم يزن، تحتضن طفلها وتحاول أن تُخفي انكسارها خلف ابتسامة شاحبة.

لم تكن تتخيل ابنة الثلاثين عاما أن تتحول حياتها بين ليلة وضحاها من بيت دافئ يجمعها بطفلها إلى مأوى مؤقت لا يصد برد الشتاء ولا قسوة الريح، دائما ما تؤكد "أمانى" أن كل ما تملكه هو قوت يومها، لكن حتى ذلك فقدته بعدما تدمر منزلها بالكامل، فارقها زوجها تاركاً أسرته بلا مأوى ولا مصدر دخل.

منزل أم يزن المدمر
منزل أم يزن المدمر

 

أم يزن تحمل عبئا مضاعفا، فزوجها التي فارقها وسافر لم يعد في الصورة، وابنها البالغ أحد عشر عاماً، يعاني إعاقة بصرية جزئية تتطلب رعاية خاصة لم تعد قادرة على توفيرها، كما يحتاج طفلها إلى احتياجات أساسية تعجز يدها عن تلبيتها.

وقالت وهي تجاهد لحبس دموعها إنها "لا تملك معيلا سوى الله"، وأن طفلها بات يواجه الجوع والبرد بلا ملابس كافية ولا بطانيات تحفظ أجسادهم الصغيرة من برد الليالي القارسة. ولا تختلف معاناة أم يزن كثيراً عن تجربة أخرى مرت بها بعد طلاقها، حين وجدت نفسها وحيدة مع طفلها في خيمة لا تقي من المطر ولا تحمي من الحر.

خيمة أم يزن
خيمة أم يزن

 

وتؤكد في تصريحات لـ"اليوم السابع"، أن والد طفلها لا يعترف به ولا يقدم له أي نفقة، ما جعله يعيشن "كاليتيم"، كما تصف، وكل ما تملكه هو قوت يوم بالكاد يكفيهما، فيما يطالبها طفلها بمصروف بسيط لا تستطيع توفيره.

وتقول أم يزن إن فقدان منزلها جعلها تخسر كل شيء، من الملابس إلى الأغطية، وإنها تدخل فصل الشتاء بلا أي احتياجات أساسية، مضيفة : "والله ما بعرف لمين أروح، ما إلي غير أهل الخير"، وبين خجل الحاجة المر وكرامة الأم الساعية لحماية طفلها، تخرج من خيمتها كل يوم على أمل أن يصلها ما يعينها على إكمال يوم آخر في رحلة صعبة تصفها بأنها "معاناة لا تنتهي".

في هذا السياق أكدت وكالة الأونروا، في بيان لها في 18 يناير، أن إسرائيل تواصل منعها من إدخال مواد الإغاثة والإيواء العالقة خارج غزة منذ أشهر، مشيرة إلى أن على تل أبيب رفع القيود عن إدخال مواد الإيواء والسماح بدخول المساعدات على نطاق واسع، خاصة أن نحو مليون شخص في القطاع ما زالوا بحاجة ماسة إلى تلك المستلزمات الطارئة.

تدخلات عادلة لتخفيف أعباء سكان القطاع

في ظل التحديات الإنسانية المتزايدة في القطاع، وخاصة مع قسوة فصل الشتاء وانهيار العديد من المنازل واهتراء الخيام، تواصل اللجنة المصرية جهودها الميدانية لتخفيف الأعباء عن الأهالي، من خلال تعزيز مراكز الإيواء بمستلزمات التدفئة والأغطية، وصيانة الخيام المتضررة، وذلك من أجل التخفيف الفوري من المعاناة اليومية لأهالي القطاع، مع الحفاظ على كرامتهم وحقوقهم الإنسانية في أقسى الظروف.

في هذا السياق يؤكد معين أبو الحصين التنفيذي للجنة المصرية في غزة، أن اللجنة تتابع عن كثب أوضاع السكان في مراكز الإيواء، وتضع احتياجاتهم الملحة على رأس أولوياتها الإنسانية والإغاثية، في ظل قسوة فصل الشتاء وتكرار المنخفضات الجوية التي تزيد من حجم المعاناة الإنسانية.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن اللجنة انطلاقا من مسؤوليتها، نفذت سلسلة من التدخلات العاجلة شملت توفير المساعدات الإغاثية، وتعزيز مراكز الإيواء بمستلزمات التدفئة، والأغطية، والفرش، إلى جانب المساهمة في صيانة الخيام المتضررة، وفتح الطرق التي أغلقتها مياه الأمطار، ووضع السواتر الرملية أمام خيام النازحين المقامة على شاطئ البحر، في محاولة للحد من آثار الرياح والأمواج.

ويوضح أن اللجنة المصرية أنشأت عشرات المخيمات لإيواء مئات آلاف الأسر النازحة، من بينها مخيما الزهراء ونتساريم، اللذان يعدان من أكبر المخيمات من حيث المساحة والقدرة الاستيعابية، ويؤويان مئات الآلاف من النازحين المتضررين.

ويشير إلى أن اللجنة المصرية تؤمن بأن واجبها الإنساني لا يقتصر على تقديم المساعدة فحسب، بل يمتد ليشمل التخفيف الحقيقي من معاناة المواطنين، والحفاظ على كرامتهم في أقسى الظروف، وستواصل عملها الميداني بلا توقف، وبكل ما تملك من إمكانيات، حتى تجاوز هذه المرحلة العصيبة والتخفيف من آثارها على سكان القطاع.

حافة مجاعة شاملة

وفي 25 ديسمبر، خرج تحذير أممي يؤكد غزة على حافة مجاعة شاملة، بعدما أكد الدكتور تيدروس أدهانوم جيبريسوس، مدير منظمة الصحة العالمية، أن أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف امرأة حامل ومرضع مهددون بسوء تغذية حاد بحلول أبريل 2026.

انهيار الوضع الصحى في غزة
انهيار الوضع الصحى في غزة

 

وأضاف خلال بيان للمنظمة الدولية، أن 1.6 مليون شخص في غزة يواجهون انعداما حادا للأمن الغذائي حتى منتصف أبريل 2026، و️في حال تجدد العدوان وتوقف المساعدات قد يواجه كامل القطاع مجاعة خلال أشهر.

مجاعة شاملة في غزة
مجاعة شاملة في غزة

 

وأشار إلى أن الوضع الإنساني هش للغاية بسبب تدمير البنية التحتية، انهيار سبل العيش، تراجع الإنتاج الغذائي، والقيود على الإغاثة، و50% فقط من المرافق الصحية تعمل جزئيا، وسط نقص حاد في الأدوية والمعدات، داعيا لإدخال عاجل وغير مشروط للإمدادات الطبية لإنقاذ الأرواح.

 

مليون ونصف مواطن فقدوا منازلهم

ويؤكد أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية في غزة، أن مليون ونصف مواطن فقدوا منازلهم نتيجة العدوان الإسرائيلي على القطاع، متابعا :"نحتاج إلى أكثر من 300 ألف خيمة لإيواء النازحين، بينما دخل فقط 60 ألف خيمة، والاحتلال دمر معظم مقرات المنظمات الأهلية، ونعمل حاليا من مقرات بديلة أو داخل الخيام".

بسمة أبو شهلا أمام بيوت مدمرة
بسمة أبو شهلا أمام بيوت مدمرة

 

ويضيف أن التحدي الأكبر هو منع الأونروا من إدخال المساعدات، ما شكل عبئا إضافيا على كاهل المؤسسات الأهلية، مشيرا إلى أن أولويات شبكة المنظمات الأهلية القصوى تتمثل في دعم العائلات التي تعيلها نساء، كبار السن، أو ذوي الإعاقة ومبتوري الأطراف، والأيتام، وكذلك العائلات المقيمة في مناطق معرضة للغرق بفعل الأمطار عبر توفير مستلزمات الإيواء للفئات الأكثر هشاشة واحتياجا.

وتقول بسمة أبو شهلا، إحدى سكان غزة عن انهيار منزلها وبيت النزوح الذي لجات له: "كأحجارها نبقى، لا نطلب نجاة ولا اعترافا، يكفينا أننا شهودها الأثقل، نحملها في دمنا لا في الذاكرة وحدها، كلما حاول الكون أن يدير ظهره لغزة، انحرف مداره وعاد يدور حولها، فغزة ليست مكانا في الجغرافيا ولا حقبة في التاريخ، بل حقيقة قائمة، ونحن دليلها الصارخ ما حيينا".

بسمة أبو شهلا أمام منزل مدمر
بسمة أبو شهلا أمام منزل مدمر

 

وتضيف بسمة متحدثة عن حطام المباني المنهارة: "هذه ليست حجارة صامتة، بل ذاكرة وقفت أطول من أعمار الغزاة، آلاف السنين مرت من هنا، ومرت شمسها على الوجوه ذاتها، تلمس الحجر عند الشروق وتودعه عند الغروب، حتى صار لكل حجر ظل يحفظ موعد الضوء، عند رفع الأذان كانت الآثار تنصت، تعشق رجفة الصوت وهو يقول الله أكبر، فتطمئن أن العلو ليس لمن مروا بالسلاح بل لمن مروا بالسجود، فهنا انحنت الجباه طلبا للنصر، وهنا سجدت سجدة الشكر حين جاء، فكيف لغول أعشى أن يمسح مدينة راكمت الدعاء فوق الدعاء بكف واحدة، ولو امتد عامين؟ بقايا جذورنا لا تنتظر الرحمة، بل تتشبث أكثر، تنمو تحت الركام بصبر أقدم من الخراب، وتقتلع غدرهم من أرض تعرف أسماءنا وتلفظ أسماءهم".

وتحدثت عن تجربتها بعد النزوح قائلة: "بعد أسابيع من التقوقع داخل بيت النزوح، أخرجت إلى الضوء بنصف عين، كمن يختبر الحياة بحذر موجع، أراقب الأضواء وهي تتكسر أمامي بخيط واهن من النظر، ولا أجرؤ أن أفتح عيني كاملتين، كأن المشهد أكبر من احتمالي، لا أحد منا يفهم ما الذي جرى حقا، ماذا حل بالمدينة، وكيف انقلبت فجأة، كأن غول الزمان مر فوقها بقدمه الثقيلة، فدهس ذاكرتها وسوّى ملامحها بالركام".

وتابعت:" تحولت الشوارع إلى أسئلة مفتوحة بلا إجابات، نحدق بدهشة جارحة في زجاج باب لم يتحطم، أو نافذة ما زالت معلقة في مكانها، أو واجهة نجت صدفة من هذا الجنون، نتشبث بها، لا لأنها سليمة، بل لأنها تشبهنا قبل أن نكسر، لأنها مرآة نرى فيها ملامحنا القديمة، تلك التي كانت تعرف الطريق إلى الحياة، قبل أن تأتي هذه الحرب وتسلخنا من أنفسنا قطعة قطعة، حتى صرنا غرباء عن مدينتنا وغرباء عن صورنا فيها، وكأننا نبحث في كل حجر ناج عن دليل صغير أننا كنا هنا يوما، دون أسى".

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة